السيد كمال الحيدري
247
اللباب في تفسير الكتاب
الاشتهار إمّا كثرة تداول ذلك الفرد وإمّا عدم الاطّلاع على فرد آخر ، فيستعمله أهل اللسان في ذلك الفرد حتّى إذا استمرّ ولم يطّلع على إطلاقه على فرد آخر ظنّ أنّه موضوع لخصوص هذا الفرد دون غيره ، كما في لفظ « الميزان » فإنّه في الأصل موضوع لآلة الوزن ، سواء ما يوزن به الأجرام والأثقال مثل ذي الكفّتين والقبّان وما يجرى مجراهما ، وما يوزن به المواقيت والارتفاعات كالاسطرلاب ، وما يوزن به الدوائر كالفرجار ، وما يُوزن به الأعمدة كالشاقول ، وما يُوزن به الخطوط كالمسطرة ، وما يوزن به الشِّعر كالعروض ، وما يوزن به الفكر كالمنطق ، أو ما يوزن به العلوم والأعمال كما يوضع ليوم القيامة . . . وبالجملة ميزان كلّ شئ يكون من جنسه ، ولفظة الميزان حقيقة في كلّ منها باعتبار حدّه وحقيقته الموجودة فيه ، إلّا أنّ من لم يطّلع إلّا على ما له لسان وعمود ربما يجزم بأنّه موضوع له فقط ، ولا يدرى أنّ وراء ذلك موازين . ومثل هذا يجرى في كثير من الألفاظ في المشتقّات لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة ؛ لظهوره بالرجوع إلى قاعدة الاشتقاق . وعلى ذلك فقس الحمد ، فإنّ حقيقته عندهم إظهار صفات الكمال ، ولمّا كان الإظهار القولي أظهر أفراده وأشهرها عند العامّة ، شاع استعمال لفظ الحمد فيه حتّى صار كأنّه مجاز في غيره ، مع أنّه بحسب الأصل أعمّ ، بل الإظهار الفعلي أقوى وأتمّ ، فهو بهذا الاسم أليق وأولى . البحث الرابع : بحث عرفانى آخر ، في مراتب الحامدين اتّفقت كلمة أهل المعرفة أنّ جهات الخلْقة وخصوصيّات الوجود في الأشياء إنّما ترتبط إلى ذاته المتعالية عن طريق صفاته وأسمائه ، وذلك لأنّ كلّ مخلوق في هذا العالم إنّما هو أثر اسم أو أسماء متعدّدة باعتبار بساطته وتركيبه .